في البداية وقبل أن نأخذ في الموضوع، وجب أن نثير عناية القارئ أننا لسنا على خلاف مع أحد ولسنا ضد أحد، لكن من واجبنا أن نخوض فيما يتعلق بالمدينة وبالإقليم من وجهة نظر موضوعية.
أوقد تغيير إسم خزانة اعزيب الدرعي، نار الجدل بين الفعاليات بإقليم آسفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهيمن على نقاشاتها. وعبر الكثير منهم عن رفضه لهذا التغيير، بحكم أن الاسم الذي تم إطلاقه عليها « ابراهيم اكريدية » هو لشخص لا يمكن إنكار إنجازاته وإصداراته، ومساهمته في الحفاظ على الموروث الثقافي ، لكنه ما زال يدب فوق الأرض حيا يرزق، والمعروف أن تطلق أسماء من قضو نحبهم إحياء وإمتنانا لمخلفاتهم وتضحياتهم، ومن البلادة أن يطلق إسمه على معلمة ثقافية.
وبنفس النبرة، احتجت مجموعة من سكان اعزيب الدرعي على هذا الاختيار عبر عريضة يتم تجميع توقيعاتها، وكما أفصح عن ذلك أحد الفعاليات أن مضامينها ، آسفي المدينة تزخر بالعديد من العلماء والمفكرين، ممن تستحق أن تؤثث أسماءهم هذا المرفق المعرفي كما يرى البعض منهم . وتتضمن أيضا مطالبة بسحب هذا الإسم وتعديل مقرر تسمية خزانة اعزيب الدرعي بتسمية تنهل من الذاكرة التاريخية المحلية. وقدمت العريضة مجموعة اقتراحات حول أعلام ورموز الفكر والعلم، منها الدكتور علال الركوب أستاذ جامعي ألف ما يزيد عن 32 كتاب في التاريخ، والدكتور محمد بن شريفة الذي أشرف عن الخزانة الملكية والمعروف على الصعيد العربي، وكذا الدكتور أحمد بن جلون الذي ترجم العديد من الكتب .
وأكدت العريضة، على أن إطلاق التسميات تحكمها العديد من الأعراف والقوانين، من أهمها استحضار الذاكرة الجماعية الوطنية والمحلية، اعترافا وتقديرا بالتضحيات والمجهودات التي قدمت.
واقعة تغير تسمية خزانة اعزيب الدرعي تعيد إلى الأدهان فضيحة مماثلة ولا تختلف عنها إديولوجيا و عبثا بمشاعر سكان آسفي، في وقت سابق حينما كان أحد النواب الإقليمين لوزارة التربية الوطنية « اعبيدة » ، و تميزت فترة وجوده على رأس القطاع بالفشل على جميع المستويات، وليس موضوعنا توضيح ذلك، وفي زيارة لوزير التربية لإقليم آسفي، كان على المندوب الإقليمي التغضية على فشله والانتكاسة التي عرفها القطاع، أمام عيون وزير التربية الذي يزور آسفي، فلم يجد من الإنجازات سوى تغيير تسمية إعدادية سيدي واصل المعروفة ب »إعدادية النخيلة » ، إلى إعدادية « عبد الرحمان الشناف »، ولم يكن آنذاك أحد يعرف الإسم بل إلى يومنا هذا، و إن سألت التلاميذ والأطر المشتغلة هناك وحتى مدير المؤسسة، عن من يكون عبد الرحمان الشناف، ستجد الجميع عاجزا عن سرد حياته، أو ذكر جزء من إنجازاته، لأنها وبكل بساطة ليست شخصية تاريخية ولا علمية ولا أدبية، وإنما نقابية، ولا نريد قول أكثر من هذا من باب أذكروا أمواتكم بخير.
فكذلك المجلس البلدي لآسفي، وبكل صدق تجربة التسيير خلال هاته الولاية، لا شيئ بها يذكر سوى الضعف والفشل، ولم تجد من إنجاز تسترعي به اهتمام فئة من المريدين، هو تغيير اسم خزانة اعزيب الدرعي التاريخية، والتي يرتبط بها جميع أبناء آسفي، وتعد نقطة التقاء طلبة جميع الأحياء، ويعتبر اسمها موروتا إرشاديا للأجيال القادمة. وكان الأجدر، عوض أن يتلخص الإنجاز في تغيير التسمية، أن يكون مقرونا بمنشأة حديثة، وسموها باسماء أنتم أسميتموها.
إعادة تسمية مؤسسة تعليمية قرأ بها أطر بمختلف المجالات، وشخصيات طبعت التاريخ المحلي والوطني بإنجازاتها ومساهماتها، محاولة طمس هوية آسفي، بتغيير معالمها الجغرافية، وقتل الموروث الزمكاني الذي يمثل الركيزة الأساسية لربط الحاضر بالماضي، وما تبقى لمن بلغ من السن عثيا من عزاء الأيام الماضية، ومحفز تاريخي للأجيال القادمة، ولم يتحدث عنها لأنها تتعلق بمن يعتقد أنه مثقفا فقط لأنه قرأ « مدن الملح ».
والتاريخ يعيد نفسه اليوم، فالوردة غيرت بالأمس تسمية مؤسسة تعليمية، والقنديل اليوم يغير تسمية خزانة بلدية، وأمام العدد الهائل من المفكرين والعلماء والمبدعين المحليين ، والذين قضو نحبهم، لم يفكر أحد في إحياء أسمائهم، بل أن إضفاء حياة معنوية على حياة مادية هي طمس لهوية المدينة ولعلمائها وأدبائها.

