تصريحات عامل إقليم آسفي محمد الفطاح، خلال لقائه برؤساء الجماعات بمقر العمالة –كما وردت– بصفحة تابعة لموقع آلكتروني، تحمل أكثر من رسالة، وتتجاوز مجرد توصيف لحال بعض المراكز الجماعية التي قال إنها “كتمرض” بسبب تراكم الأزبال وغياب مظاهر التنمية. العامل لم يكتف بالانتقاد، بل اعتبر أن “رؤية الأزبال دليل على أن الجماعة ليس بها شيء”، وهو حكم قاس لكنه يعكس رؤية مباشرة لا تجامل في تشخيص الواقع.
الفطاح شدد كذلك على أنه يشتغل “بصمت ودون تطبيل”، مؤكدا أن ما تحتاجه آسفي ليس مشاريع شكلية أو مبادرات ترضي بعض المنتخبين، في إشارة واضحة إلى المجلسين الإقليمي والجهوي، بل مشاريع تنموية حقيقية تلامس أولويات الساكنة وتستجيب لحاجياتها الفعلية.
اللافت أن هذا الخطاب ينسجم مع ما قاله الفطاح منذ أول كلمة له أمام المجلس الإقليمي، حين رسم خارطة طريق تستند إلى الواقعية والصرامة، مستدلا بمقولة تشرشل الشهيرة: “ليس لدي ما أعطيكم سوى الدموع والعرق والألم”. وكأن العامل يريد أن يبعث برسالة مفادها أن طريق التنمية شاق، وأن الإصلاح لا يقوم على الوعود الشعبوية أو الشعارات البراقة، بل على عمل يومي صامت، مليء بالصعوبات والتضحيات.
منذ الوهلة الأولى اعتقدنا أنها ليست مجرد استعارة بلاغية، بل إشارة إلى تشابه رمزي بين بريطانيا التي واجهت أصعب أزماتها بقيادة رجل صريح وواقعي، وبين آسفي التي تجد نفسها اليوم في مواجهة تراكمات عقود من الإهمال والعجز التنموي.
هذا التشبيه بين آسفي وبريطانيا في زمن تشرشل ليس مبالغة، بقدر ما هو تأكيد أن المدينة تحتاج اليوم إلى قيادة واقعية تضع الأصبع على الجرح، وتستنهض طاقات “جنود الخفاء” في الإدارة المحلية، لمواجهة تحديات كبرى تبدأ من النظافة والتهيئة، ولا تنتهي عند مشاريع كبرى غائبة منذ زمن.
إن خطاب الفطاح، كما نقل، يحمل في طياته وعيا بأن التغيير لن يأتي إلا بجرعة من الصراحة والصرامة، تماما كما فعل تشرشل وهو يواجه حربا عالمية. الفارق أن معركة آسفي ليست ضد جيوش الخارج، بل ضد تراكمات الإهمال والفساد التنموي.
هذا التوجه، إن تمت ترجمته على أرض الواقع، قد يعيد الثقة تدريجيا بين المواطن والمؤسسة، ويضع المنتخبين أمام مسؤولياتهم الحقيقية. لكنه في المقابل يكشف أيضا عن فجوة بين ما تريده الإدارة الترابية من جدية ومصارحة، وما يفضله بعض المنتخبين من “مشاريع ترضيات”.
في النهاية، يمكن القول إن الفطاح يرسم لنفسه صورة رجل سلطة واقعي، لا يبيع الأوهام، ويصر على أن التنمية تبدأ من تنظيف الشارع وتدبير النفايات قبل بناء الشعارات، وأن الإصلاح ليس رحلة مريحة، بل مسار مليء بالعرق والدموع.
